الشيخ عبد الغني النابلسي
356
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
التنزيه المطلق ، ويؤيده الرواية الأخرى على صورة الرحمن « 1 » وليست صورته ، أي اللّه تعالى سوى الحضرة الإلهية التي هي مجمع ذاته تعالى وصفاته وأسمائه وأفعاله وأحكامه ؛ خمس مراتب بعضها أعلى من بعض في حقيقة الوجود المطلق بالإطلاق الحقيقي المنزه عن معرفة العارفين به وجهل الجاهلين له ، لأنه من حيث هو لا يعرف ولا يجهل . فأوجد سبحانه في هذا المختصر من العالم الكبير الشريف من قوله تعالى : وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ [ الإسراء : 70 ] الذي هو الإنسان الكامل في الظاهر والباطن جميع الأسماء الإلهية ، التي هي مجموع المراتب الخمس المذكورة فله ذات وله صفات وله أسماء وله أفعال وله أحكام مضاهاة للحضرة الإلهية وأوجد تعالى فيه أيضا حقائق ، أي ماهيات وأعيان مثل جميع ما خرج عنه ، أي عن ذلك الإنسان من الأشياء الموجودة في العالم الكبير المنفصل عنه ففيه سماوات وهي دماغه ، ونجوم وهي حواسه الظاهرة والباطنة ، وعرش وهو روحه ، وكرسي وهو نفسه ، وقلم هو عقله ، ولوح هو ذهنه ، وعوالم ملائكة وهي قواه السارية في بدنه ، وجن وهي قواه الباطنة منها مطيع ومنها عاص ، وشياطين وهي قواه الخبيثة في أفعال المعاصي ، وفيه أرضون وهي جسمه ، وفيه بحر محيط وهو دمه ، وجبال وهي عظامه ، وتلال وهي عروقه ، ونبات هو شعره ، وماء حلو في فمه ، وماء مر في أذنه ، وماء وسخ في أنفه ، وماء قذر في بوله ، وفيه عناصر أربعة صفراء هي ناره ، ودم هو هواه ، وبلغم هو ماؤه ، وسوداء هي ترابه ، وهكذا مما يطول بيانه مضاهاة للعالم الكبير بأسره وجعله ، أي جعل اللّه تعالى هذا الإنسان الكامل روحا للعالم الكبير جميعه فسخر اللّه تعالى له ، أي لهذا الإنسان الكامل العلو من السماوات وما فيها والسفل من الأرضين وما فيهن لكمال الصورة التي هو فيها مضاه للحضرة الإلهية وللعوالم الإمكانية كلها . * * * فكما أنّه ليس شيء في العالم إلّا وهو يسبّح اللّه بحمده ، كذلك ليس شيء في العالم إلّا وهو مسخّر لهذا الإنسان لما تعطيه حقيقة صورته .
--> ( 1 ) ونصه : « لا تقبحوا الوجه فإن ابن آدم خلق على صورة الرحمن » . رواه الطبراني في الكبير ، عن ابن عمر ، حديث رقم ( 13580 ) [ 12 / 430 ] ورواه الدارقطني في الصفات برقم ( 48 ) [ 1 / 36 ] ولفظه عنده : « لا تقبحوا الوجه فإن اللّه خلق آدم على صورة الرحمن عز وجل » .